محمد حسين علي الصغير

79

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

تعبيرا عن البيئة العربية في مختلف مشاهدها ورحابها ، وفي الشعر الجاهلي وصدر الإسلام كثير من صوره وألوانه ، وفي كتاب الله - تعالى - جمهرة من أنواعه ، جاءت لتصور المعنى أدق تصوير ، وتضيف إلى الشكل أبهى الحلل وأروعها ، وهي صوت لم تأت حلية أو زينة تضاف إلى التعبير ، وإنما هي جزء منه . وكان لتشبيهات القرآن أثر مهم في كلام العرب ، فأدارها الشعراء في قصائدهم ، واتخذها الكتاب أساسا لتصويرهم ، وكانت - أيضا - عمدة البلاغيين في ضرب الأمثلة والموازنة بين فنون البيان المختلفة « 1 » وكان أداة صالحة للتدليل على إعجاز القرآن وبلاغته في معالم عديدة ، حتى لم يخل منه كتاب ، ولم ينب عنه باب . وهذا ما يفسر لنا أن التشبيه لم يكن فنا طارئا ، ولا علما مدخولا على البلاغة العربية ، بل هو من الأسس البيانية التي وطدت دعائم الفن البلاغي بعامة ، وما ذلك إلا لخصائص ومميزات ؛ التصقت به فجعلته في الذروة من الفنون عند العرب . هذا بالإضافة إلى تأثيره النفسي والعقلي فإنه يتنقل بالإنسان من أفق إلى أفق ، ويتخطى به من مناخ إلى مناخ ، عدا الجانب البلاغي الذي يجمع إلى جنب المبالغة المهذبة الإيجاز الساحر ، وإلى جنب البيان الرصين ، التصوير الدقيق . وهذا وذاك مما جعل ابن الأثير ( ت : 637 ه ) يعد التشبيه : « يجمع صفات ثلاثا هي المبالغة والبيان والإيجاز » « 2 » . وهو مصيب بهذا الاعتبار ، فالتشبيه - وهو أداة بيانية - قد جمع إلى جنب البيان المبالغة والإيجاز . أما المبالغة فيه : فالارتفاع بالمشبه إلى حد المشبه به من قولك في مثال ساذج : « وجهك كالقمر » فمهما بلغ حسن الوجه وبهاؤه فإنه لا يبلغ مستوى القمر في سنائه وإشراقه . وأما الإيجاز : فهاتان الكلمتان مع أداة

--> ( 1 ) ظ : أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 27 . ( 2 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 394 .